أكاديمية المجتمع الديمقراطي

العولمة الثقافية والثقافة الوطنية – ايفان شيخو

اعداد: ايفان شيخو

0 92

العولمة الثقافية والثقافة الوطنية

شكلت العولمة الثقافية قضية مركزية لدى الكثير من المفكرين والباحثين على مدار العقود الأخيرة من القرن العشرين. لأن النتائج الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للعولمة أعمق أثراً من تلك التي افرزتها الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، فالهيمنة الامريكية على تقنيات هذا المجال تقود العالم بأسره الى اشكال جديدة من التبعية الثقافية. وقد بدى ملامح هذا التحول الثقافي في عدد من المؤشرات نسوقها كأمثلة للإثارة الثقافية التي خلفتها العولمة بأنماطها المختلفة. (دهيمي، الملتقى الوطني الثالث “الهوية والعولمة”)

العولمة الثقافية في خلق الثقافة العالمية يتوافق مع الطابع الغربي. بجعل النظام الرأسمالي مقبولاً لدى سائر الشعوب عبر إخضاع عقل هذه الشعوب؛ وتكيُّفها وتلميعها لدى (الشعوب) من خلال مجموعة من الوسائل (فرج، 2004، العولمة والاسلام والعرب، ص39). فلو أردنا تعريف العولمة الثقافية نستطيع القول بأنها جعلت الثقافات المحلية تتجانس مع النموذج الغرب والأمريكي، وذلك من خلال تأثير المنتجات الثقافية مثل الأفلام والمسلسلات، وأيضا عبر الشبكة العنكبوتية، والتواصل الاجتماعي، والسفر على مستوى العالم، وساهم هذا النوع بتوسيع رقعة تبادل الأفكار، والمعاني، والقيم الخاصة بأمةٍ أو شعبٍ ما لتنتشر وتشمل كافة أنحاء العالم. بذلك تصبح هويتنا من الماضي ويتم تشكيل الهوية الجديدة لثقافتنا بطرق بطيئة نسبيًا. وهذه فكرة استبدادية يسخره الدول الكبرى من اجل السيطرة على إرادات الشعوب الضعيفة، لذلك لا ينبغي ان يقتصر نظرتنا إلى العولمة من الجانب الاقتصادي فقط، لان تأثيرها يشمل مجالات سياسية واجتماعية وثقافية والعديد من أوجه الحياة الأخرى. وأكثرها تأثيرا هي العولمة الثقافية فمن خلالها يتم اقتحام المجتمعات بالرغم منها عبر تكنولوجيا الاتصال والمعلومات. مستهدفا الادراك، فنظام الإدراك يعمل على إفراغ الهوية الجماعية من كل محتوى، ويدفع الى التفتيت والتشتيت، ويبعد الناس عن رابط الوطنية. وتهدف العولمة الثقافية إلى زرع القيم والأفكار النفسية والفكرية والثقافية للقوى المسيطرة في وعي الأخرين وعلى الأخص أبناء المجتمعات التقليدية.

اختراق المجتمعات ثقافيا وإسقاط عناصر المقاومة والتحصين لديها، وبالمعنى الثقافي إعادة صيغة القيم والعادات الجديدة تؤسس لهوية ثقافية أخرى. لذا المجتمعات مهددة لهويتها الثقافية بشكل جدي باتجاه فرض نمط ثقافي وهيمنة ثقافية معينة تنتجه نحو مصالح الأقوياء، وسيلتها الأساسية أداة إعلامية أصبحت قادرة على إعادة صياغة الأخلاق والقيم حتى العادات.

نجحت الدول الغربية في نشر ثقافتها عبر المحيطات والقارات والترويج لأفكارها وقيمها الثقافية والأخلاقية والاجتماعية على حساب الثقافة المحلية. كما وتسعى العولمة الثقافية إلى فرض ثقافة الغرب الامريكي على كل ثقافات العالم وتنميط هذه الثقافات تحت نمط واحد أو بشكلٍ اوضح العولمة الثقافية ما هو إلا ابتلاع للثقافات المحلية، يبدا بإحداث خلل في نسق القيم والمجتمعات، وتدمير قيم العمل والانتاج والدافعية للإنجاز واستبدالاها بقيم لاستهلاك وتحول الى قيم استسهال، حيث ينتظر الانسان في تلك الدول سلعة جاهزة الصنع في الدول الصناعية. وتكون النتيجة اكتساب ثقافات جديدة ومغايرة بشكل واضح عن ثقافتنا الأم عن طريق تشويه أصول المرجعيات الثقافية القديمة، وخلطها بثقافات اخرى، وإدخال بعض الألفاظ والمعتقدات المستجدة عليها، بتالي التلفظ بها. (سعيد، 2013، تأثير العولمة على الثقافة). اضافة إلى ضعف التماسك العائلي والاجتماعي من خلال انعزال افراد العائلة الواحدة عن بعضهم داخل البيت الواحد، فجميع افراد العائلة منشغلون بهواتفهم مما يخلق نوعا من الغربة المكانية.

في ظل تلك المتغيرات العالمية والتحولات الاجتماعية والسياسية المتلاحقة المعاصرة إن استشراف المستقبل للعولمة امر أصبح صعباً. ولكن نستطيع القول بان ما نعيشه اليوم ليس إلا مرحلة انتقالية نحو نظام جديد لم يتبلور. وسؤال الذي يطرح نفسه هنا بشدة هو “هل هناك إمكانية مقاومة والحد من العولمة الثقافية”؟ يمكننا القول بهذا الصدد:

ـ الخطوة الأولى في هذا الطريق يكمن في معرفة العولمة الثقافية وأبعادها، ودراسة السلبيات والايجابيات برؤية عميقة ومتفتحة، غايتها البحث والدراسة العلمية، وإدراك وفهم التناقضات التي تكتنف فكرة العولمة وكشف المزيف الذي تتستر قواها خلفه. (حسين،1998، العولمة والثقافة العربية، ص 125)

ـ يرى العديد من الخبراء والمهتمين والباحثين أن تطوير التعليم يمكن أن يكون أحد الحلول الهامة في مجتمعنا لمواجهة العولمة، ويقررون أن العالم كله يرى أن التعليم هو المشكلة، والتعليم هو الحل في الوقت نفسه، ومن ذلك نستنتج أنه لا بد من إعادة النظر في التعليم، ووضع الأسس اللازمة لتطويره على مستوى الوطن العربي. وإن وظيفة التعليم أيضاً تكمن في تطوير الإنسان المبدع القادر على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة لمواجهة مطالب المستقبل.

ـ التعليم بتعزيز الهوية وكشف العولمة ومضمارها، ويتحتم على الإعلام التربوي استخدام كافة الوسائل والأساليب والطرق المتاحة كي ينجح في تأصيل القيم والمهارات والمعارف والمعلومات في مؤسسات المجتمع ومنظماته، وبما أن البث المباشر يهدد هويتنا بتنشئة صغارنا على قيم وعادات تخالف فكر أمتهم وثقافتها فإن التربويين والإعلاميين مطالبين بتحصين الأطفال ضد ثقافة الاستهلاك والتغريب، ونحن نريد من الإعلام التربوي أن يتحدث عن المسائل التربوية المهمة والملازمة بحياة المجتمع، كما نريد منه تقديم مادة غنية ثرية تحدث أثراً إيجابياً، وتترك صدى قوياً بنفس الصغير والتلميذ والطالب والشاب وتساعد على اكتشاف ما يملكه من طاقات ومهارات. (الحارثي، المجلة العربية، ص30)

 

ـ غربلة التدفق المعرفي المتزايد بانتقاء النافع من المعلومات واستخدامه في إنتاج أفكار جديدة ومواد جديدة. – إنتاج البرامج والأفلام الهادفة، وبثها من خلال الأقمار الصناعية التي يجب أن نسعى لامتلاكها لمقارعة ما يمس حياتنا الثقافية والدينية والاجتماعية

 

خاتماً…

العولمة ليست إيجابية بمجمله أو سلبية بمجمله، من هذا المنطلق ينبغي على أي أمة ان لا تحدث قطيعة معها كي لا تكون منعزلة عن العالم، وان لا تكون هذه الأمة منفتحة عليها حتى لا تذوب وتنصهر مما يكلفها الكثير ومن هنا يصبح الحفاظ على المكونات الثقافية وتعزيزها ضرورة ملحّة في زمن العولمة؛ فمن خلال الهوية الوطنية نعرف بأنفسنا أمام العالم. كما أن الحفاظ على الثقافة الوطنية لا يعني إقصاء ثقافة الآخر؛ لأننا نحتاج إلى أن نفهم الآخر، ونتعرّف عليه؛ حتى يتسنى لنا تحقيق التبادل الثقافي على أكمل وجه، وإزالة أي فهم أو انطباع خاطئ ناتج من الجهل بالاختلافات الثقافية بين الشعوب. وبذلك نحمي هويتها من التأثير السلبي للخمول الثقافي في نظام العولمة. ولا شك أن الانفتاح على الآخر قد أصبح واقعًا، لا يمكن تجاهله؛ وذلك لأن الثقافة بمختلف مكوّناتها الفنيّة والأدبيّة والبصريّة والسمعيّة هي أجمل وأثمن ما تمتلكه الشعوب والأمم على مرّ العصور. لا يمكن فهم آثار وتداعيات العولمة علينا بمعزل عن فهم التحولات الإنسانية المجتمعية – المعرفية – التقنية في جميع الميادين التي شهدها التاريخ المعاصر، ولا بمعزل أيضا عن القراءة الفاهمة المدركة لأنماط التفكير والسلوك الإنساني، والمصالح النفعية المتبادلة المشتركة في دوائر الاستراتيجية والتكتيك لمنظومة الحضارة الغربية عموماً والولايات المتحدة خصوصاً. (الحربي، تأثير العولمة في الهُوية الثقافية،2020)

 

المراجع:

  • الحارثي، ساعد، مسئولية الإعلام في تأكيد الهوية الثقافية، المجلة العربية، د. ط. ت ص30.
  • الحربي، غزال، تأثير العولمة في الهُوية الثقافية، موقع الجزيرة،2020، https://www.al-jazirah.com
  • حسين، حسين، 1998 م، العولمة والثقافة العربية، منشورات جامعة فلادليفيا، لكلية الآداب والفنون، الطبعة الأولى، 1999م، ص 125.
  • دهيمي، زينب، الملتقى الوطني الثالث (الهوية والعولمة)، جامعة قاصدي مرباح ورقلة، كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية، الجزائر. https://manifest.univ-ouargla.dz/archives/facult
  • سعيد، سناء، 2013، تأثير العولمة على الثقافة، موقع الاقتصادية، https://www.aleqt.com/2013/10/21/article_794269.html
  • السيد أحمد فرج، العولمة والإسلام والعرب، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الأولى، 1424هـ- 2004، ص39.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: